لقد تآمر جمال عبد الناصر على العراق بمحورين .
اولهما مسايرة القادة العراقيين الجدد و محاولة كسبهم للانظمام للجمهورية العربية المتحدة بشتى الطرق الترغيبية والاغراءات ..
|

المهندس
صباح عبد الستار الجنابي
|
قامت ثورة 14 تموز 1958 الخالدة لرفع الظلم عن ابناء الشعب العراقي و جعل العراق
قاعدة و سنداً حقيقياً لإخوانه العرب و قضاياهم المصيرية في فلسطين و عمان و
الجزائر. و العراقيون اناس نظيفو القلب و السريرة وقد اندفعوا بكل اخلاص في
الخطوط والاهداف التي ثاروا من اجلها.
وها نحن نرى محكمة الشعب التي بدأت بمحاكمة رجال العهد الملكي البائد بسبب
جرائم الفساد والمحسوبية وغيرها ، تكشف عن مؤامرات حاكها رجال العهد الملكي للتآمر
على الجمهورية العربية المتحدة وخاصة الاقليم الشمالي سوريا ، ومحاولة فصله عن مصر
والعمل على تنصيب الامير عبد الاله ولى العهد العراقي وخال الملك فيصل الثاني ملكا
على سوريا ( بدعم عربي و بريطاني ), و تذهب بعيدا في هذا المجال لتجعل من هذه
المؤامرات والاموال التي هدرت من اجلها تهما رئيسية لمحاكمتهم وانزال اقصى العقوبات
بهم من اجل محاولة تآمرهم على دولة عربية شقيقة .
في
الجانب الاخر وهذه الدولة العربية الشقيقة ( الجمهورية العربية المتحدة ) والتي
بثورة العراق في 14 تموز 1958 اصبح عمقها الاستراتيجي اعظم واوسع ، وكانت قلوب
العراقيين و انظارهم متجهة لها للعمل معها نحو المستقبل الحر الاسمى . نرى هذه
الدولة وبكل ما اوتيت من امكانيات بدأت هي بالتآمر على العراق ومنذ اليوم الاول
للثورة وبكل ما اوتيت من امكانيات و قوة مستغلة طيبة وسذاجة العراقيين واعجابهم
بالثورة المصرية ( 23 يوليو 1952 ) و رئيسها جمال عبد الناصر.
لقد
تامر جمال عبد الناصر على العراق بمحورين .
اولهما مسايرة القادة العراقيين الجدد و محاولة كسبهم للانظمام للجمهورية العربية
المتحدة بشتى الطرق الترغيبية والاغراءات مستغلا انبهار الكثيرين من العرب بشخصيته
وثورته التي لم ينازع مكانتها شيئ ، حتى قيام ثورة 14 تموز في العراق ، ناهيك عن
ما اضافته عملية الوحدة بين مصر وسوريا في شتاء 1958 من تعزيز لهذه المكانة.
وفعلا تمكن من كسب عدد لا باس به من الضباط العراقيين بينهم نسبة من الضباط الاحرار
لثورة 14 تموز والذين فوجئوا بقيام ثورة 14 تموز 1958 اي لم يشتركوا بتنفيذها لسبب
بسيط هو النظرة الثاقبة للزعيم عبد الكريم قاسم لكل ضابط و استنتاجة من ان هذا
الضباط شجاع ومقدام ويتمتع بروح التضحية من اجل الوطن ام هو ضابط منتمي للضباط
الاحرار وكان منذ دخوله في اجتماعات خلايا التنظيم وحتى خروجه لا يكل او يمل من
الجدال والمناقشات العقيمة.
مما حدا بالزعيم عبد الكريم قاسم الى تاسيس تنظيمه الخاص الذي يطلقون علية تنظيم
المنصورة ، واختيار اعضاءه فردا فردا وبصورة شخصية من قبل الزعيم نفسه من بين خلايا
تنظيمات الضباط الاحرار المعروفة متوخيا باعضاء التنظيم الجديد الشجاعة والوطنية و
النزاهة وحب التضحية من اجل العراق ، ولي الشرف الكبير ان يكون المرحوم والدي
الرئيس الاول عبد الستار الجنابي احد من اختارهم الزعيم لتنظيمه الخاص.
لقد
اندفع هولاء الضباط نحو جمال عبد الناصر بصورة عاطفية بحتة وبدون ادنى مسؤلية و
اصبحوا رأس الحربة في مناوأة الزعيم عبد الكريم قاسم وثورة 14 تموز .
ولكي اثبت لكم هذا بصورة عملية ايها القراء الاعزاء ؛ الفت نظركم الى ان
هولاء الضباط وبعد ان استلموا السلطة بعد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي لم يستمر شهر
عسلهم مع جمال عبد الناصر إلا لأيام فقط ، وعندما حلت ذكرى ثورة 23 يوليو
1963 لم يشارك العراق بوفد على مستوى عالي للتهنئة بهذه المناسبة بل كان تمثيلا
شكليا مما اظهر وسع الهوة بين بغداد والقاهرة.
المحور الثاني الذي انتهجه جمال عبد الناصر و بموازة المحور الاول هو التآمر العملي
والفعلي بحياكة شتى انواع الموامرات تجاه العراق و ثورته ودعمه المطلق بشتى
الامكانيات المادية والاسلحة واجهزة الاذاعة والاسناد الاعلامي غير المحدود .
وكانت المؤامرات تنهال على ثورة 14 تموز والزعيم عبد الكريم قاسم بشكل مستمر وعلى
سبيل المثال مؤامرة عبد السلام عارف , مؤامرة الموصل , مؤامرة رشيد عالي الكيلاني ,
محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد ( 7 – 10 – 1959 ) و غيرها. و
قد تصدى العراق جيشا و شعبا لكل هذة المؤمرات و اخمدها في مهدها.
الرئيس الاول عبد الستار الجنابي
احد الضباط الاحرار و بطل من ابطال ثورة 14 تموز 1958
الوثيقة التاريخية ادناه تبرهن للتاريخ حقيقة ما فكر به الرئيس المصري جمال عبد
الناصر تجاه العراق و منذ اليوم الاول للثورة , والاسباب الحقيقية وراء انتهاجه هذا
الاسلوب في العمل ضد العراق وثورته , والذي ينحصر شكليا بمحاولاته المستميتة للبقاء
على تزعمه الشخصي والزائف للعالم العربي ومجموعة عدم الانحياز وهذا بدوره ادى الى
نتائج اكثر من ايجابية للغرب واسرائل وهي تمكين جمال عبد الناصر من تحويل الصراع
بين العرب واسرائيل الى صراع بين العرب انفسهم مما حدى بالولايات المتحدة الامريكية
الى الاعتماد على جمال عبد الناصر في التآمر على العراق و ثورته ودعمه له بكل
الوسائل و الامكانيات رغم ظاهر علاقاته الحميمية مع الاتحاد السوفيتي.
لقد ادت سياسات جمال عبد الناصر الى الدمار و الخسائر الكبيرة بين ابناء العراق
جيشا و شعبا توجت بالحكم البعثي الذي جثم على صدور العراقيين اكثر من اربعة عقود و
انتهى باحتلال امريكي للعراق اعادنا الى الوراء ما يقارب القرن من الزمان و الى
خسارة العراق لاول زعيم عراقي يحكم هذا البلد منذ الوف السنين و الذي ظل العراقيون
ينظرون اليه على انه فلتة من فلتات التاريخ و الذين اذا اشتاقوا اليه ينظرون الى
القمر ليروا صورتة.
لم
يفت جمال عبد الناصر اي فرصة او مناسبة لذكر العراق وزعيمه باكثر الكلمات بذاءة ،
و لم يتورع بقذف اي من العراقيين الى المحرقة و الموت غير آبه بشي سوى تحقيق حلمه
الكبير الذي يتلخص بوضع بلح العراق في جيب و بتروله بالجيب الاخر.
و بالمقابل اذكر لكم هذه الحادثة التي لم يسبق نشرها لتقدروا من انفسكم الفرق
بين العراق و مصر و بين عبد الكريم قاسم و جمال عبد الناصر.
في
احدى الليالي و بعد عودة المرحوم والدي من مقر و زارة الدفاع و الوقت هو بعد حادثة
انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة بأيام قليلة ؛ رن جرس الهاتف في بيتنا و
قمت انا باخذ السماعة واذا بصوت رجل يقول " هذا بيت سيادة المقدم عبد الستار
الجنابي " قلت نعم اجاب ممكن اتكلم مع سيادتة ! ذهبت الى المرحوم الوالد لاخبره
بان هناك من يريد ان يكلمه على الهاتف و لم يذكر اسمة .امسك والدي بسماعة الهاتف
وبدأت كلمات الترحيب و المجاملة و كانت اخر الكلمات " سوف اتصل فورا بسيادة الزعيم
واعيد الاتصال بكم ".
اغلق
والدي الهاتف و اخذ الهاتف الثاني الذي هو على بدالة وزارة الدفاع والذي نسميه نحن
بالهاتف السري واتصل بالزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان في مقره بالدفاع حتى ذلك
الوقت. بادره بالتحية و قال له بالحرف الواحد " سيدي اتصل بي قبل دقائق السيد وصفي
التل سفير المملكة الاردنية الهاشمية ويطلب مقابلتكم لامر هام وفورا وليوصل لكم
رسالة مستعجلة من الملك حيسن ملك الاردن " امر الزعيم عبد الكريم قاسم المرحوم
والدي بالمرور على السيد وصفي التل و اصطحابه الى مقابلته في الدفاع ".
اعاد والدي الاتصال بالتل واخبره موافقة الزعيم على لقاءه فورا وانه سوف يمر
عليه ليصحبه الى مقابلة الزعيم .
دخل والدي ووصفي التل على الزعيم و الساعة تقارب الثانية عشرة ليلا ، واخبر
التل الزعيم فحوى رسالة الملك حسين للزعيم والتي يطلب بها من الزعيم الاعلان عن
تزعمه للقومية العربية و الحركة العربية بدل جمال عبد الناصر الذي هوى الى القاع
بعد حادثة انفصال سورية عن الجمهورية العربية وان الملك حسي سون يكون اول المؤيدين
لهذه الزعامة و سوف يؤيدها الكثيرون من العرب.
بعد
ان انهى السيد وصفي التل حديثه , بادره الزعيم عبد الكريم قاسم بما يلي و حرفيا "
بلغ جلالة الملك تحياتي و تقديري لدعوته وقل له نحن العراقيين اذا وقع احد اخوتنا
فليست من اخلاقنا اندوس ( ندوس ) عليه بل نمد له يدنا لكي ننهضه من الوضع
الذي هو فية "
هكذا
انتم ايها العراقييون و هذه اخلاقكم وهذا هو زعيمكم .
انه التاريخ بكل حقائقه فهل نتعظ ونتعلم منه ونحن الان احوج ما نكون
للتعلم من اخلاق هذا القائد الاسطوري
لقد
انجب العراق سرجون الاكدي و حمورابي و نبو خذنصر و عبد الكريم قاسم و لنا منهم
الثراء الفكري العظيم منهم لتحرير العراق من صدأ الفكر البعثي الذي لوث حياتنا
والقوات المحتلة التي تدنس ارض الرافدين الطاهرة .