، ابحث عن مواضيع في البحث ، ( اضغط هنا )
:
( يتحدث المقال عن نظرية أفلاطونية في تكوين المدينة الفاضلة.. وتوضع النظرية بين فقرات السرد التاريخي والنقد والمناقشة باسلوب شيق لا يتّصف بالضبابية والالتواء ) .
الحديث عن أفلاطون 428 أو 427 ـ 347 م في كل حقبة من الزمان لا يعد قديماً ولا مملا.. وذلك إما باعتبار تاريخ الفلسفة والفلاسفة الذين برزوا في نطاقه ومن ضمنهم أفلاطون وإما باعتبار نظرياته التي قدمها وطورت على يد فلاسفة كبار في مختلف العصور . وفي أهمية نظرياته لا بد من قول على أن الأهمية تبرز من مكانة هذا الفيلسوف وحجم فلسفته حيث هي محل التقاء لأكثر من فلسفة مهمة أخذها من أربعة فلاسفة عظماء كـ : سقراط وفيثاغورث.. مباشرة أو بالتوسيط مما يمكن أن نمثل لها بنقطة القاطعة للطرق حيث توصل بين شوارع أربعة على نحو الدقة .
إن ما قدمه هذا الفيلسوف وأن كان قابلا للنقد والتقييم الفلسفي ـ وهذا شأن كل موضوع علمي وفكري وفلسفي ـ إلا أن نتاجه كان ولا يزال منطلقاً لكبار الفلاسفة في حقول متعددة كـ الأخلاق وEpistomologie .. ولذلك تجد أن الفلاسفة عندما يمرون بنتاجه عندها يقضون وقتا طويلا للتأمل والشك والنقد حول ما قُدّم من قِبَلهِ في نطاق الفلسفة.. وفي طول السياق لا بد من إبانة في أن الفيلسوف الذي لا يقدم ملاحظته للمورث ـ مثل هذا ـ لا يمكنه أن يكون فيلسوفاً ؛ لأنه قد يكون غير فاهم لحجم الصراع القائم بين النظريات الفلسفية وبعبارة أصح : طبيعة الفلسفة.. وهذا ما هو حاصل بالفعل يمكن ملاحظته بتمام السهولة في النتاج الفلسفي.. ولذلك نرى ما يثير العجب دوما لكثرة الاختلاف بين الفلسفات وهي في حقبة زمنية واحدة وهذا يدلنا من ناحية أخرى أن كل فيلسوف يبحث عن بغيته المنشودة في فضاء الفلسفة.. وما ألمحنا إليه الآن بخلاف طبيعة العلم فالكل يبحث فيه عن طرق للوصول إلى نقطة حـلٍّ ما حيث يمكن وراءها الموضوع ومحل العِقد الأصم كما يقال في التعبير الموروث . ولأن الفيلسوف لا يترك جانب التحليل والنقد والإبداع والتطوير.. للحياة والكون.. وكذاك محاولة معرفة الخالق من دون وجود التناقض ودفع كل ما هو شر ـ بناءا على نظرية ما وراء الطبيعة ـ لذاك تراه لم يأبَ ـ أعني الفيلسوف ـ من تسليط الضوء على المبادئ والمفاهيم والنظريات.. من أي فيلسوف صدرت ولم يتهاون في إبداء موقفه منها.
ومن أبرز أشرنا إليه ـ في نطاق الموروث طبعا ـ نظرية أفلاطون في ( المدينة الفاضلة ) التي قدمها وفقا لأسسه العامة في (نظرية المثل) ، لا تزال هذه النظرية تعمل في العصر الراهن ولكن على مستوى الاختلاف الكثير.. فهي حاليا بين الردّ والتعديل أو التطوير.. يمكن أن نجدها في نظريات عند هذا الفيلسوف أو ذاك كما يمكن أن نستظهر جوانب منها في نظرية : ماكس حيث أخذ منها رؤية سطلة العمّال أو الدولة..
لقد أورد أفلاطون أًصل النظرية ذي في ( كتاب السياسة ـ مترجم بجهود حنين بن إسحاق ـ ) أو ما يعرف بـ (الجمهورية) . ويحتوي هذا الكتاب على مفاهيم العدالة والحياة الكريمة والأخلاق.. وهي مفاهيم قد شغلت ذهن الإنسان منذ أن ركز على جانب التفلسف والتفكير.. إلا أن أسلوبه كان متميزاً في التنظير والردّ على مجموعة من الفلاسفة الذين ينكرون إمكانية تكوين هذا النوع من المجتمع أو المدينة . والذي أود التأكيد عليه هو أن هذا الفيلسوف لم يكن الوحيد الذي طرح النظرية وإنما العصر الـ 6 قبل الميلاد كان زاخراً بهذا القبيل من الرؤى .
وبامتداد الشهرة التي نالتها هذه الرؤية ، هنا لا يمكننا أن نغض النظر عن مورد مهم على أن ثمة نقد واسع قُدّم في الملاحظة عليها ، ابتدأ للمرة الأولى من قبل الكتاب اليونانيين كما في مسرحية (الطيور).. والمهم الملفت للنظر أن كل من كتب بعد أفلاطون انطلق من هذا النتاج وإن كان لم يكتفِ بالفحوى واضعاً أساس الفكرة بين النقد والتقييم . وممن حاول في هذا الجانب الفيلسوف التركي الأصل الفارابي حيث كتب (آراء أهل المدينة الفاضلة) . وكذاك (مدينة الشمس) Civitas solis وهو الأكثر شهرة في أوربا لكاتبه Campanella فكل هذا النتاج هو نسخة من أصل ما قدمه أفلاطون في الجمهورية .
ولو قمنا بالبحث عن أسباب ظهور مثل هذه النظرية فنجد أن الدافع كان على طيلة مسار التاريخ الإنساني والفلسفي هو طموح الإنسان للكمال والسعادة والعدالة أو كما ساد في مجتمعاتنا اليوم بين المفكرين من مفهوم الحرية والمساواة.. ومن هذا المنطلق نلاحظ بين الحين والأخر ظهور ثلة ممن اتخذوا جانب الجد لتطبيق هذا النوع من الرؤى مع وجود الاختلاف في المعتقد الديني أو التفكير الفلسفي المادي والإلهي .. باذلين جهودا متواصلة بغية إسعاد الإنسان أو إيصاله إلى المورد المطلوب الذي أشرنا إليه.. وفنرى أصحاب الاتجاه الديني والإلهي بالرؤى الدينية وأصحاب الجانب الأخر بالقوانين الوضعية وهكذا دواليك.. كل يسير لينال النجاح.. فمثلاً نجد البعض بغية التمكن من النظرية ركّز على الوجه الديني العام.. ومن أقدم ما يمكن أن يشار إليه في المجال الديني هو اتجاه Essanien كما أن ملكوت النبي عيسى المطروح أيضا من أبرز هذه النماذج في ذا المجال و ذا بالنسبة إلى غير المسلمين.. وأما من ألمع المحاولات لدى المسلمين والتي جرت في العهد العباسي منها ما هي محل اعتناء بالغ لكنها فوجئت وللأسف في بعض فترات هذا العهد بردود قاسية وسرعان ما ألحقت تهم الزندقة والكفر ـ الطامة التي لا يمكن التخلص منها بتاتا ـ بـ كبار شخصيات العصر الذين حاول القيام بالنظرية ـ أو ما هو على مستواها ـ بشخصيات من قبيل أبي حيان التوحيدي 400 هـ وابن مسكويه 421 هـ وابن الخمار الحسن بن سوار الفيلسوف 398 هـ ويحي ابن عدي 364 هـ .. إلا أن الجهود سرعان ما تبيت بالفشل وبعد مدة من الزمن تنمحي عن الأذهان.. وذلك لأسباب عدة يشترطها المكان والزمان..
ــــ يتبع ــــ
كمال سلمان : منشغل بالفلسفة والفكر الحديث .
infokmal@yahoo.com
www.jeeri.jeeran.com