، ابحث عن مواضيع في البحث ، ( اضغط هنا )
:
حاتم عبد الواحد :
في بداية شهر ايلول عام 1990 كنت جنديا في مجلة حراس الوطن التي كانت تصدر عن دائرة التوجيه المعنوي التابعة لوزارة الدفاع العراقية ، طبعا كان وجودي ضمن كادر هذه الدائرة العسكرية الامنية اولا والاعلامية ثانيا قد تم
بناء على توصية من وزير الدفاع الراحل عدنان خير الله في عام 1986 اثر نشر قصيدة لي في جريدة القادسية التي تصدر عن تلك الدائرة ، كانت القصيدة تتحدث عن ملاعب طفولتي وصباي في منطقة ( خضر الياس ) الواقعة على كتف دجلة الشرقي عند ساحة الطلائع الان ، ولان ما تحدثت عنه في تلك القصيدة قد لامس دواخل عدنان خير الله الذي عاش ايام طفولته وصباه ايضا في تلك المنطقة البغدادية الموغلة في التاريخ والمغتسلة بالحضارات فانه على ما بدا لي اول وهلة يتعاطف مع مشاعره اولا ويصل رحم جيرانه في الاسى
اقول في تلك القصيدة التي ولدت تحت قصف المدافع في جبهة شرق العمارة
ناشدتك الله لو قربت ما بعدا
لعل منطفئي ياتيك متقدا
لعل صوتا بقطب الارض محوره
يهب مستوفزا ، ما يحسبون صدى
ما يحسبون تراثا من مدامعنا
ومن دمانا بملء الكيل قد وردا
ايام كانت سطوح الحي مزدرعا
لكل آمالنا ، ما شب او خمدا
ايام اطفالنا كانت محاجرهم
حتى الصباح على ابوابنا رصدا
لما سياتي به آبائهم فاذا
خلاصة القول مما ياملون .. غدا
كنا نحج لخضر الياس ، نشتله
شمعا وارواحنا تبقى له مددا
لعل يوما لحزن الناس مطلعه
يوفي بما أمل الدنيا وما وعدا
يرد نبل الردى عنا ويمنعه
بان يجرعنا من كأسه النكدا
عمرا يقال لنا : عيش بلا كمد
حتى وددنا بان نستطعم الكمدا !
لفرط ما خلفت في القلب من حرق
حتى لساني عليها ظل منعقدا
احلى سنين الصبا احصيتها عددا
ويشهد الله ما احصيتها عددا !!
و اثر نشر هذه القصيدة تم نقلي الى دائرة التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع محررا في جريدة القادسية في القسم الثقافي لانتقل بعدها الى مجلة حراس الوطن التي كان الزميل الشهيد الخالد ضرغام هاشم يدير سكرتارية تحريرها ، كان من المفروض ان اتسرح من الجيش بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988 ، لكن اوامر قيادات الجيش اصدرت تعليمات لا تجيز تسريحي لانني لم اخدم فترة زمنية مساوية لاقراني الذين خدموا 12 سنة خدمة الزامية، وهكذا بقيت حتى دخول القوات العراقية الى الكويت محررا في مجلة حراس الوطن وكاتبا في العديد من الصحف العراقية والعربية انشر بين الفينة والاخرى ما يتيسر لي ان انشره وما تسمح به دوائر الرقابة ، وبحكم عملي محررا ثقافيا كنت ازور المراكز الثقافية في السفارات الاجنبية المتواجدة في بغداد في ذلك الوقت واستطعت ان ارتب بشكل مبدئي طلبا للدراسة في اوربا لان هذا المشروع كان حلمي منذ تخرجي من الاعداية عام 1979 ، ففي ذلك العام استطاع زملائي الذين نجحوا بمعدلات بائسة ان يسافروا الى دول اوربا الشرقية ليدرسوا الهندسة والطب بينما بقيت انا ذو المعدل العالي الذي يؤهلني لدراسة الهندسة في أي جامعة عراقية لا استطيع الدراسة في أي كلية لان والدي لم يكن قادرا على تمويلي اثناء فترة الدراسة ، فشجعني على الدخول الى كلية اسمها ( الكلية الفنية العسكرية ) واذكر انني قبلت في الدورة السادسة في تلك الكلية في قسم الهندسة الميكانيكية ولكنني لم ادخل اليها منذ تم قبولي فيها لانني ببساطة اكره العسكر واكره ان اكون اداة بيد غيري فتركتها ليتم سوقي الى معسكر المحاويل جنديا في كتيبة الاستمكان الاولى برتبة نائب ( عريف مساح ) .
في اوائل ايلول عام 1990 كان سعد البزاز مديرا عاما للاذاعة والتلفزيون العراقي وكان نجم رعد بندر قد بدأ في السطوع من خلال علاقاته بمكتب عدي صدام حسين والعلاقات المتينة التي كانت تربطه بوزير الثقافة لطيف نصيف جاسم ، وفي احدى الاماسي دخل رعد بندر علي في بناية مجلة حراس الوطن ودفع الى طاولتي ورقة مصورة وقال لي : اقراها ، تطلعت في الورقة فاذا هي امر اداري من سعد البزاز مدير الاذاعة والتلفزيون بايفاد كل من رعد بندر وجواد الحطاب وهاني ابراهيم العاشور وامل الجبوري وحاتم عبد الواحد الى ( محافظة الكويت ) لتقديم برنامج يومي من هناك بشكل رسالة تلفزيونية هدفها تضليل الراي العام العراقي والعربي من خلال تزوير مشاعر الاشقاء الكويتين واظهارهم سعداء بدخول القوات العراقية الى ديارهم !!
بادرني قبل ان اساله : كل شيء جاهز حجز الطائرة والسكن والمصورون التلفزيونيون فقط انت وافق على الذهاب وغدا اجلب لك تذكرة السفر ، قلت يا رعد انت تعرف انني مسؤول عن اعمال في المجلة ولدي اولاد صغار لا يهتم بهم احد غيري فابحث عن غيري ، قال انها اوامر ( الاستاذ عدي ) ، قلت ولكن هذه الاوامر تغافلتني عندما اوفدوك الى بقاع اخرى ، مط شفتيه مستنكرا ورفع الورقة متجها نحو باب المبنى مرددا : غدا اراك .
كان الشهيد ضرغام هاشم صاحب تجربة مريرة مع مكاتب الامن والمخابرات فنصحني ان اذهب والا فانهم سيزجون بي في اتون نارهم ، في صباح اليوم التالي جاءني رعد بندر بحجز طائرة واوصاني ان امر عليه في شقته في شارع حيفا في السادسة صباحا من يوم الغد لنتجه الى المطار ، اخذت التذكرة واوصيت اهل بيتي ان يوقظوني عند الفجر لاجمع حقيبة السفر التي لم تكن سوى حقيبة صغيرة فيها سروال نوم وادوات حلاقة وكتاب ، في اليوم التالي انطلقنا انا ورعد وبندر من امام شقته بسيارته الخاصة الى المطار، كان جواد الحطاب وامل الجبوري قد سبقانا في الوصول الى قاعة المغادرين ، اما هاني ابراهيم العاشور المراسل الصحفي لاحدى الصحف العربية الان فانه لم يكن من ضمن المطلوب سفرهم ، لانه قدم طلبا ( لعدي ) يرجو به اعفائه من المهمة كونه فقد اخاه الكبير في معارك العراق مع ايران ولم يبق في البيت رجل غيره وامه تحتاج اليه !! هكذا علل رعد بندر عدم وجود هاني العاشور، في صالة المغادرة وقف ضابط المخابرات العراقي يسأل جواد الحطاب عن كمية النقود التي بحوزته واذكر ان جواد قال لدي 130 دينارا فاعترض ضابط المخابرات على الرقم وقال له لا يحق لك سوى 100 دينار فما كان من جواد الا ان يرد عليه : ما تقوله يصح على المسافرين الى دولة اجنبية اما نحن فمسافرون الى محافظة عراقية اسمها ( الكويت ) سكت رجل المخابرات ودلفنا الى داخل الطائرة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد راكبيها ثلاثين شخصا ، كان الرجال المدججون بالكلاشنكوف يملاؤن ممرات الطائرة ، كانت حقبيتي الصغيرة وحقيبة رعد بندر قد تم شحنهما الى مستودع الطائرة وما هي الا خمسة وثلاثون دقيقة حتى هبطنا في مطار الكويت الذي بدا مجرد خربة مهجورة تعج اسوارها الخارجية بالاسيويين الذين يحاولون الظفر بطائرة تقلهم الى عمان عن طريق بغداد ، كان باستقبالنا رجل اردني بسيارة يابانية ، عبأوا حقائبنا في صندوق السيارة وانطلقنا الى حيث نقيم في مبنى وزارة الاعلام الكويتية ذي الطوابق العديدة ، عند باب الوزارة الذي يحيلك مباشرة الى دائرة مخابراتية بسبب حواجز التفتيش والمسلحين المدنيين قدم رعد بندر كتاب ( الايفاد ) فمرقنا الى داخل المبنى الذي استحال الى مزبلة تناثرت في ارجائها المكاتب المحطمة والاوراق ، اقتربنا من غرفة في بداية المدخل كانها ادارة للمبنى فكانت المفاجأة : انه عبد المطلب محمود هذا الرجل الذي يطرح نفسه شاعرا كيف تم تنصيبه هنا ؟؟
طبعا انا لم اتفاجا كثيرا لانني ربما اعرف عن عبد المطلب ما لا يعرفه اخرون ، فقد كنت امحص في الصوت الذي يستجوب ( العملاء ) في شاشة تلفزيون العراق ، وقد جرت العادة ان يتم اخفاء وجه من يقوم بالاستجواب ، وللتاريخ اقول انني شهدت استجوابين على التلفزيون قام بهما عبد المطلب محمود بايعاز من المخابرات العراقية كونه احد عناصرها ، وربما يتذكر زملاء اخرون ان عبد المطلب محمود ذاته كان مسؤولا عن المفقودين العراقيين في دوائر وزارة الخارجية العراقية ، فهل مهمات مثل هذه من اختصاص ( شاعر ) ؟؟؟
وكان ( المهرج ) عماد بدن يجلس الى جانب عبد المطلب بشخصيته القرقوزية ، ناثرا شعره على جبهته وشامتا بمدير المصر العقاري الذي رفض صرف سلفة بناء له لانه سيحصل من خزائن الكويت على ما يبني به اعظم القصور على دجلة !!
اخذونا الى ارشيف التلفزيون الكويتي وهو عبارة عن ممر طويل مقسم بافاريز تضم اشرطة الفيديو ، وتشكل ما يشبه الغرف المحجوزة عن بعضها ، قلنا لامل الجبوري انت تكونين في اخر االممر بين الافريزين الاخيرين لتاخذي راحتك ، اما انا فاخذت مكانا في بداية الارشيف فيما كان جواد الحطاب في اخر الممر ايضا لتبديد وحشة امل الجبوري ، اما رعد بندر فقد ترك حقيبته ونزل الى باحة المبنى ، طلبت من احد الكويتين الذين يسمون انفسهم ( معارضة ) في ذلك الوقت ان يوفر لي ( مونيتر ) لكي استطيع مشاهدة الروائع الموجودة في تلك المكتبة الغنية ، كانت اركان المكتبة مزروعة بمصاحف مكتوب عليها عبارة ( امانة الله ورسوله ) ، استطعت في اليوم الاول ان اشاهد محاولة تفجير موكب الامير جابر اثناء فترة الحرب العراقية الايرانية واستمتعت بالانصات لقصائد الجواهري الكبير وهو يتلوها بصوت متهدج : ازح عن صدرك الزبدا ، كنت شبه مقيم في ارشيف التلفزيون الكويتي ولا اغادر المبنى الا لاغراض تسوق الطعام الذي اشتريه من جمعية قرب قصر دسمان ، كان صاحب هذه الجمعية اسمه ابو خالد وقد توطدت علاقتي به من اول زيارة له ،طلبت في تلك الزيارة من صاحب الجمعية ان يبيعني شيئا من الشكولاته لاولادي وبعض انواع الصابون السائل على ادفع له بالدينار العراقي الذي كنت امتلك منه 90 دينارا هي راتب خدمتي العسكرية ، ضحك الرجل وقال : لم يدخل علي احد من جنودكم راجيا ، فخذ ما تريد وادفع كما تشاء فربما يكون هذا اللقاء اول واخر لقاء بيننا ، ومد يده الى مصنوعة معدنية على شكل قبة الصخرة مفتوحة من قمتها لتكون حصالة نقود ، قال خذها للذكرى فما يتبقى للمتسوق الكويتي من ( فكة حديدية ) يضعها في هذا الصندوق تبرعا لاهل فلسطين ، اما انا فلم تتوفر لي هدية مناسبة اقدمها لابي خالد سوى قلمي الحبر الذي كان في جيب قميصي فناولته اياه وقلت له اذكرني .
لم يفارقني شعوري بالالم المر وانا ارى ابواب الاستوديوهات وابواب المكاتب في التلفزيون الكويتي ووزارة الاعلام الكويتية وهي مخلوعة بالرصاص .. نعم بالرصاص ، فالجنود الذين دخلوا هذا المبنى لم يفتحوا بابا بمفتاح وانما فتحوا كل الابواب بالاطلاق الرصاص على اقفالها وهذا ما عزز في داخلي شعوري الاكيد بكذب حكاية ( الاصل والفرع ) التي طبلت لها وزارة الاعلام العراقية طويلا ، فلو كانت الكويت تنتمي ( روحيا ) الى العراق لم يعث بها ( الفاتحون ) تدميرا ، ولو ان الكويت هي المحافظة العراقية السليبة كما ثقفتنا ادبيات الاحزاب والحكومات التي تتالت على ادارة العراق لما كانت هذه السادية المقرفة في كل تفاصيلها ، مكاتب منثورة المحتويات ، منصات مذيعين مخرمة بالرصاص ، خزائن مال تشقق حديدها بالديناميت ، مخلفات بشرية عضوية في كل زاوية وحمام ، نوافذ بلا زجاج .
في اليوم الثالث دعانا ضابط استخبارات الفرقة الرابعة التي تتخذ من قصر دسمان الاميري مقرا اداريا لها ، كانت دعوة عشاء على ضوء الشموع لان الكويت كانت بلا كهرباء ، واثناء العشاء طلب منا ان نرافقه في اليوم التالي الى قصر بيان للاطلاع عليه كوننا اعلاميين ، في عصر اليوم التالي كنا في قصر بيان الذي لم يتوقف جرس الانذار فيه منذ دخول الجنود العراقيين اليه في 2 – 8 – 1990 ، فضاء واسع مزروع بالنخل وبناء على شكل مجمع سكني عصري ، صعدنا الى احد الغرف وفتح ضابط الاستخبارات احدى الخزائن طالبا منا ان ناخذ ما نريد ، قلت ما محتويات هذه الخزينة ؟ قال كل ما يخص الامراء والاميرات فدست امل الجبوري راسها داخل الخزنة واخذت عملة ذهبية من فئة 100 دينار كويتي وساعة نسائية مطعمة بالمجوهرات ، في حين كان طلبي ان يجد لي محلا استطيع ان اشتري منه جهاز فديو بدنانيري التسعين !!
ضحك الضابط وقال انت تسكن في وزارة الاعلام وهي ملآى باجهزة الفيديو فخذ واحدا ، قلت له لا اريد ان اشتري مقابل وصل شراء ، خرجنا من قصر بيان الى بيت احدى الاميرات في احدى الضواحي ، كان البيت يشبه المنازل المدمرة بالاعاصير حتى ان لعب الاطفال في ذلك البيت لم تسلم من الانتقام ، دمى بلا رؤوس ولا سيقان ، قطارات مهشمة ، وجماجم بلاستيكية لاغراض ايضاحية مثقوبة برصاص الكلاشنكوف !!
كانت حقائب رعد بندر تتوالد يوميا ففي اليوم الثالث اصبحت حقيبته التي اتى بها الى الكويت 7 حقائب متخمة بما لا نعرفه ،واشهد انني رايته في احد الاستوديوهات يفتح حقيبة فيها كاميرا تلفزيونية فقذف بالكاميرا مثل أي نفاية وملأ الحقيبة بما يريد ووضع لاصقا مكتوب عليه بخط عريض ( رعد بندر ) بعد ان احكم قفلها كاخواتها .
كنت متضايقا من عبثية المهمة التي حشرت بها حشرا فالناس يكرهون ملامحي عندما اذهب لشراء اقراص الخبز من الجمعية ، وحيطان المدينة تصرخ بعبارات شنيعة تدلل على مدى الاستهجان والرفض الشعبي العفوي ، في حين يريد سعد البزاز ان نقدم له برنامجا خادعا يعرضه في تلفزيونه يزور به مشاعر الناس وحقيقة ما قام به اسياده ، وفي اليوم الرابع قلت لعبد المطلب محمود انا لا اريد البقاء فانا في المكان الخطأ ، اريد العودة الى بغداد فهذا ليس مكاني ولكنه رفض طلبي لانني اذا تصرفت برغبتي فساكون تحت طائلة الغضب !! ، قلت له اتصل بسعد البزاز وقل له ما اريد ، في المساء كان السائق ينقلني الى مطار الكويت لاقطع تذكرة عودتي الى بغداد ، كان اخر ما شاهدته وراء الافريز الذي يسكنه رعد بندر في ارشيف التلفزيون الكويتي 11 حقيبة محكمة الغلق عليها لواصق تدلل على مالكها ( رعد بندر )، وللامانة اقول انه بعد مغادرتي للكويت منفردا استلم الشاعر سامي مهدي مهام ادارة التلفزيون العراقي فاصدر امره بانهاء هذه الارسالية التي ادارها كل من عدي وسعد البزاز ورعد بندر ولم يبث في تلفزيون العراق ايا من حلقات ذلك البرنامج الكسيح فكريا وغاية.
freenewiraq@yahoo.com